
نونبر-دجنبر 2017
بقلمي..
عن رواية "غادرتك فلا تذبلي" لـ"هشام فريد"
لكم هو مؤلم أن تفقد والدك إثر حادثة سير يوم ولادتك،فلن تفرح يوما بعيد ميلادك لأنه سيظل يذكرك بيتمك المشؤوم..
لكم هو مؤلم أن تظل أسبوعا بلا اسم بعد أن اتفقوا سابقا على أن يسميك والدك الراحل..
لكم هو مؤلم ألا ترى والدتك الراقدة في المستشفى إثر صدمتها إلا بعد مرور شهرين على ولادتك..فلا تعرف رائحة غير رائحة جدك وتنتظر ريثما تتحسن علاقتك بأمك..
لكم هو مؤلم أن تسبب لوالدتك الضيق عند سؤالك لها عن أبيك فتنهار أمامك رغم محاولة تماسكها..وتمر الأعوام ولا تستطيع سوى أن تحاول حمل ثقلها ببرودك لكي لا تزيد كربها..
لكم هو مؤلم أن تتقبل نفسك أخيرا وتقبل على الحياة بتفاؤل عجيب وأحلام بعيدة المدى فتصدم بفقدانك لوطن آخر...أن تفقد أمك التي تساندك..ملجؤك وقت الفرح والضيق...
لكم هو مؤلم أن تشعر بنهاية أحلامك وسط هذه الخطوب فتعجز أن تخالط الناس وتحبهم خشية فقدانهم من جهة وخشية أن تسبب لهم الأسى بآلامك من جهة أخرى..
لكم هو مؤلم أن تنعزل عن العالم وتعيش معدوما بنفسك فقط تشهق يأسا مختلطا بمسكرات الأحزان..
لكم هو مؤلم أن تشعر بنفسك عبئا على الجميع ونذير شؤم ولد ليعيش الكآبة ولا شيء غيرها..
لكم هو مؤلم أن تنتقل مع جدك للعيش مع خالة لئيمة تحبك وتكرهك في الآن ذاته لأنها لم ترزق سوى بالبنات..لكنه من الرائع أن تتعلق بك أكثر عندما يشتد عودك..
لكم هو مؤلم ألا تعرف أن لك ابنة خالة ولدت بعدك بقليل..سمتها أمك على اسم الزهور التي عشقها والدك واهتم بها..تلك الزهور المشؤومة التي تحبها لتذكيرها لك بوالدك وتبغضها لتذكيرها لك بيتمك.."زهور الياسمين"..
لكم هو مؤلم أن تعيش مرارة الغربة إلى جانب هذه الخطوب..وتعيش آلام مرض خبيث في شبابك الينع مما زاد الطين بلة فيجعلك زاهدا في الدنيا أيما زهد..
لكم هو مؤلم أن تؤثر الصمت على الكلام والدردشة مع الآخر،وأن تفضل العيش وحيدا كاسمك دون أي أنيس فتختار شقة قصية من بين شقتين بالطابق الخامس..لكن فجأة تأتي أسرة نجوى التي صارت زميلتك في العمل فتملأ الشقة المقابلة لشقتك لتكسر رتابة حياتك..
لكم هو مؤلم أن تكره رؤية ملامحك التي تعدها بليدة وصامتة في المرآة مما يحول بينك وبين أخذك لمصعد العمارة بسبب تواجد مرآة به..فتضطر إلى تخطي سبعين درجة يوميا لتغادرالمبنى وسبعين لتبلغ شقتك..
لكم هو مؤلم أن تشعر بكهولتك فلا تستمتع بمرحلة الشباب النضرة التي تمر بها،تعيش معاناة مع العلاج الكيميائي الذي يأخذ الكثير من طاقتك ويذيقك طعم الموت أحيانا..
لكم هو مؤلم أن تكون زاهدا كل الزهد في الدنيا فتحلم بالرحيل والرحيل فقط..
لكم هو مؤلم أن تكره الكتابة لكن الأوراق ملاذك الوحيد ومصب آلامك..ومقابل ذلك تدفع ثمنا غاليا:تخرج بعد ذلك متعبا ضعيفا وكأنك كنت تخوض أفتك المعارك..
لكم هو مؤلم أن تذوق مرارة الفراق مجددا وللمرة الثالثة،أن تفقد جدك الذي اعتنى بك منذ ولادتك وحتى بعد وفاة أمك،اهتم بك إلى أن اشتد عودك..فتحس بأن الدنيا كلها واقفة ضدك منذ أن جئت إليها..
لكم هو مؤلم أن تحاول الابتعاد عن الناس فتتجنب بذلك تشييع جنازة جدك..وتحاول تجنب زيارة المقبرة مرقد أبويك كي لا تتراكم الآلام مجددا على كتفك..لكن مع الأسف تجد ابنة خالتك بانتظارك كي تذهب معها..تزور المقبرة هذه المرة ولكن تشعر بأن الحمل لم يكن ثقيلا كما كان يحدث عندما تزورها لوحدك..وكأن الآخرين تقاسموا الألم معك..
لكم هو مؤلم أن تحب أقاربك وتكره صلتك بهم.. فزيارتهم لك الأولى آلمتك لأنها كسرت وحدتك التي ألفتها..خاصة وأنه بالإضافة إلى خالتك وأسرتها كان قد تقرر مجيء أخت جدك التي لاتعرفها أصلا(والحمد لله أنها لم تأت)..
لكم هو مؤلم أن يرحلوا كل إلى بيته فتعود لتلك الوحدة القاتلة..تلعب دور ضحية الأفكار المزعجة..يحوم في ذهنك كلام خالتك ورجاؤها في زواجك بياسمين.. تريدها لكن مرضك يحول (كما تزعم أنت)دون ذلك..تخشى تركها أرملة.. خاصة وأنه لم تكن تخفى عليك معاناة أمك بعد موت أبيك..
لكم هو مؤلم أن تستسلم للأورام التي انتشرت خاصة بعد أن انتهى مفعول جلسات العلاج الكيميائي..لديك حل:أن يزرع بداخلك كبد آخر لشخص مات لتوه وأن تتم العملية بألمانيا،ومع الأسف ترفض ﻷسباب..أولها الأخطار المترتبة عنها..وثانيها عدم استعدادك لتقليص ماتبقى لك في حياتك في المراهنة والأمل على نجاحها..وثالثها عدم تقبلك لعضو لاينتمي إليك..وآخرها رغبتك في أن تكون صاحيا عند الموت،لا تحت تأثير المخدر ..وبذلك يتلاشى آخر أمل في الحياة..
(النهاية الوشيكة)
لكم هو مؤلم أن تحاول (بصعوبة) إقناع ياسمين بنسيانك لأنك تعلم أن عيشك لن يدوم طويلا..لكن قواك تخور أمام عنادها وعصيانها المتزايد..تشعر بعجزك خاصة وأنك غير مقتنع بما تفعله..وبعد أمسية ممتعة تجد نفسك متشبثا أكثر بها..لكن يا للحسرة! فالموت ينتظر..
لكم هو مؤلم أن يتولد اليأس داخلك في صفة أمل عند عودتك لشقتك،والذي ينبؤك بأن القادم سيكون عاجلا،وأن ما سيأتي سيكون سقطتك الأخيرة..كأن فؤادك قد لفظ آخر نبضة له هناك..عند ياسمين..استنزف كل رصيد نبضه وعبأه هناك..فتقدم تحت هذه المشاعر استقالتك لأن فصلك الأخير سيبدأ قريبا وتريد أن تعيشه بعيدا عن العالم حتى آخر لطخة حبر..
لكم هو مؤلم أن تنعزل عن العالم بصفة نهائية هذه المرة،فيأتي من يخترق عالمك ويجرح عزلتك ليلا برنات على باب شقتك.. ياسمين التي بقيت معك لمدة شهر تبذره في مراقبتك.. فينبت أمل جديد تحت دفء العائلة التي لم تتخلى عنك في أن تعيش أكثر،لكن لم يمض سوى أسبوعين حتى تفاقم المرض..
لكم هو مؤلم أن تكون وحيدا في شقتك تنزف..تفقد وعيك ولاتستيقظ إلا في الصباح..تتصل بصديقك لتقلك سيارة الإسعاف إلى المستشفى..غائب عن الوعي لكن حاسة السمع كانت تعمل..تسمع أنفاس ياسمين وصوت خالتك تقرأ المعوذات وهي تبكي..لم تعد تتمنى سوى أن تموت موتا رحيما..فذاك في نظرها أفضل من الشقاء الذي تعيشه..ومن وقتها وأنت خائر مكبل على السرير تحاول إضافة ألوان الأمل إلى ذاكرتك..
لكم هو مؤلم ما آلت إليه الأمور..خمسة أسابيع بالمستشفى في عالم مكسو بالبياض والألوان الشفافة للأنابيب التي اخترقت جسدك دون حياء..تراقب يديك الهزيلتين ونتواءت معصمك التي غدت ظاهرة ووزنك الذي ينقص يوما بعد يوم وشهيتك وحركاتك المتناقصة وكذا بشرتك الشاحبة وعينيك المكسوتين بلون المرض.. تتحسس عظامك الباردة فأصبحت لاتبحث سوى عن التدفئة وقد صرت سعيدا لأنك لن تموت في فصل ولادتك المشؤوم...
لكم هو مؤلم أن تصير كل تلك الأمور التي عاكستك يوما شبه منعدمة في أيامك الأخيرة هذه..وألا يتناهى إلى سمعك سوى الهدوء الذي لطالما تمنيته..تشعر أنك تسابق الزمن وأنت سعيد بذلك..خلال زيارته لك،يرجوك صديقك ورئيسك السابق سعد بأسى أن تحضر لزفافه هو ونجوى فتطمئنه بأنك ستكون الحاضر الوحيد وجميع الحضور سيكونون غائبين؛ففي قرارة نفسك تعلم أنك لن تعيش..
لكم هو مؤلم أن ترى من تحب قد ملك قسوة الحياة أيضا..تستيقظ على عبق الياسمين فسيدته قد حضرت..تشعر بأنها آخر مرة تحدثها فيها..فتوصيها بأنك ولو مت فإنك ستحضر قرب نجمتك التي تتلألأ في السماء..تلك النجمة التي أسميتها بياسمين..تندم لأنك لم تلق بالا لها،فقد كانت موطنك منذ القدم..كانت تسكنك دون أن تشعر..تحس كم هو قاس أن تحرم منها فقد تأخر الوقت..توصيها بأن تتبرع بكل ممتلكاتك بعد أن تهبها إياه وأن تمنحه في سبيل سوريا أرض الياسمين التي تنزف وتزيدك ألما..توصيها بأن يتم دفنك هناك..ثم تغادرك بعد اتتهاء موعد الزيارة دون وداعك لأنها لاتؤمن برحيلك..
كم هو مؤلم أن تندم على إهلاكك لنفسك طوال الأيام التي عشتها..أن تندم على حيادية العيش التي اتخذتها فتفطن إلى أن أفكار سلبية هي التي كانت رابضة على ذهنك ليس إلا فلو أنك فكرت بشكل آخر لكنت أفضل مما أنت عليه الآن..أن تندم على تأخرك في تقديم طلب إجراء العملية إلى الطبيب..لكنك ترغب بأن تموت وأنت راض عما مضى..
لكم هو مؤلم أن تبدأ روائح الحنين باجترارك..تجذبك من أزقة الفرح إلى غيابات الحزن الطويل..أن تتوقع بأن ذاك المساء هو موعدك المنتظر مع الموت..فتقرر أن تكون آخر الكلمات التي تكتبها قبل الاضمحلال هي جمل مهذبة تحمل عنفوان رجل راحل إلى ياسمين وياسمين فقط تترك لهذه الزهرة المتفتحة للتو والتي تخشى ذبولها،للزهرة التي ندمت لأنك لم تحتويها قبل هذا اليوم.آخر وصاياك لها أن:
غادرتك فلا تذبلي
تمت.
العبرة:لا تمض حياتك في التحسر على الماضي فتنحاز بذلك عن دروب السعادة والوسائل المؤدية إليها..عش حياتك ولاتكترث فحتما لو فكرت بإيجابية ستكون في حال أفضل بكثير مما يمكن أن تكون عليه لو عشت وسط الآلام..
لا تنعزل عن العالم..صادق وأحب وأسبغ مشاعرك النبيلة على الآخرين..ولا تقل إنك وحيد فدائما ما ستجد من يحبك ويكترث لأمرك..ستجد وطنك والنصف الآخر لروحك..فاهتم به ولاتذره وحيدا..
كن إيجابيا في تفكيرك..وتصدق ببسماتك على كل من تقابله..
لا تنعزل عن العالم..صادق وأحب وأسبغ مشاعرك النبيلة على الآخرين..ولا تقل إنك وحيد فدائما ما ستجد من يحبك ويكترث لأمرك..ستجد وطنك والنصف الآخر لروحك..فاهتم به ولاتذره وحيدا..
كن إيجابيا في تفكيرك..وتصدق ببسماتك على كل من تقابله..
حفصة مقبول


