ملاحظة

"إن الحياة أقصر من أن تعيش على هامشها"

- روبن شارما

الأحد، 29 يوليو 2018

10/07/2018

القرنفل الأصفر (3)

كنت محاطة بزميلات لَواغِب، وكنت أستغل سذاجتهن لقضاء حوائجي..كنّ كثيرا مايثرثرن ويشكين أمورهن إلي لعلي أعينهن على تخطي الصدمات بعد كل تجربة حب فاشلة.أوَ تعلم ما مثار سخريتي؟ أنهن لايستفدن من أخطائهن..كنت أعاتبهن بحذر على سذاجتهن المثيرة للشفقة دون أن أجد حلولا لمشاكلهن لأن وعيهن قد ينقلب يوما ما ضدي،لكن مع ذلك يعتقدنني أمد لهن يد العون عندما أمطرهن بوابل من الشتائم على جنونهن المعهود.كنت مستغانمية أُشامِس جنس الذكور،أستنشق وأتشبع بأفكار أحلام مستغانمي وأُنمي حقدي لهم يوما بعد يوم.بالإضافة لذلك،كنت متيقنة بأن حب المرأة سذاجة وعمى وطيش،في حين حب الرجل وهم وكذب واستغلال وما كان حب عنترة لعبلة وقيس لليلى وجميل لبثينة وغيرهم مجرد شخصيات لن يكررهن التاريخ الشاهد على تغير الأوضاع في مجتمعاتنا،ووالداي وأقاربي مثال حي يثبت صحة فلسفتي؛لم تجمع عائلتي كما لم تجمعني بأصدقائي عاطفة أو مشاعر سخيفة،وحدها الماديات كانت سيدة العلاقات.
وأيضا لست مرتبطة بالدين فقد كان يخزيني أن أَسجُنَني بتعاليم الإسلام وأن أطبقها،لذا كنت أجهل طبيعة العلاقات الجامعة بين الرسول صلى الله عليه وسلم ونسائه،وكذا بين الصحابة وزوجاتهم.
لكن وقوعي بشباكك جعلني أكفر بمبادئي وأضرب بقناعاتي عرض الحائط.ولأول مرة اهتممت بذكر وفكرت فيما يسمى بالارتباط الذي كنت أَعُدّه سجنا لمتحررة مثلي؛يضبطني ويجعلني أشارك حياتي مع معتوه وغد..ولأول مرة اقتنعت بأن أحلام تخلط بين ما يسمى بالذكر والرجل،وقناعتي هذه لم تتغير حتى بعد فراقنا.فالرجل الحقيقي يعي جيدا معنى تحمل المسؤولية ويعرف واجباته كمعيل ورب أسرة ولا يعُدها أصفادا أو أغلالا، يهتم بالجانب المعنوي بقدر المادي على الأقل ويوليه عناية مركزة. الرجل الحقيقي عندما يحب يُتوّج عشقه بالحماية والتضحية والوفاء ويسعى جاهدا لإسعاد من سكنت مُهجته قبل قلبه.
أما الذكر المرتدي لقناع الرجولة ورداء الفارس المغوار، فهوايته منحصرة في التلاعب بالغير وهدر الوقت في إغوائه.. يصول ويجول بين النساء الساذجات وكذا الداهيات اللواتي لا أنكر وجودهن. وما أكثرهن!!صرت بصراحة منصفة للرجل.
لكنك أنت لم تكن رجلا منذ البداية،ومع الأسف فاتني ذلك عندما وافقت على امتلاك مفتاح الحب.أخطأت منذ أن اكتنزتك في عقلي قبل قلبي..فمنذ يوم اللقاء الثاني ذاك هجرني الكرى؛ كنت أتساءل: من تكون؟ من أين جئت ولِمَ لَمْ تجمعنا الأيام قبل الآن؟
كنت أعلم بأن قصتنا مكتوبة في الصحف منذ الأزل وإلا لمَا ظهرت أمامي في أوقات وأمكنة غير مناسبة. عقدت حينها العزم على أن أتحرى عنك..كنت فضولية وانتهى بي الأمر لأن أشرد في قاعات الدرس أتحرق شوقا لأعرف المزيد عنك.. ولم أكتفِ بحفظ المعلومات في ذهني،بل دونتها كسيرة غيرية فكانت عاقبتي أن صرتَ تعاكسني..
في إحدى أيام يناير الممطرة، دخلت المكتبة التي لم تطأها قدماي منذ أسبوع خشية لقياك خاصة بعدما اكتشفتها عرينك.. دخلتها لأن الطقس لم يسمح لي بالمذاكرة خارجا. جالت أحداقي بالمكان بارتباك واضح لم يزُل إلا بعد أن تأكدت من غيابك.انزويت في ركن قصي لأنفرد بي،وحينما أنهيت واجباتي انصرفت للتقارير التي كتبتها عنك لكنك أمسكت بي متلبسة.كنت جريئا لدرجة أن تخطف ورقة من فتاة صادفتها مرتين لا غير، لكن الحال أنك كنت تعرف عني الكثير أيضا فقد اندهشت من اهتمام متمردة لا مبالية بشاب التقته حديثا.. تحولت لبركان ثائر بسبب غيظي الشديد،فرغم تحري عنك لم يشك بي أحد بفضل خبثي ودهائي، لكن بسببك صرت أضحوكة أمام رفاقك المتحلقين حولك.. شعرت بالانحطاط. لملمت أشيائي وغادرتك بعد أن قصفتك بالسباب ووصفتك بالمِنْجَش.عدت لشقتي ألعنك.. أحرقت كتاباتي وقررت تجاهلك خاصة بعد أن وجدتك احتللت مساحة مهمة من تفكيري رغم أن شخصيتك راقتني كثيرا؛ فكما قلت آنفا أنت هو أنا،وبالتالي فأنت مثلي؛ مخلوق متحرر متمرد فكيف ستكون رجلا مرتبطا.. لكن مع الأسف لم أنجح بنسيانك فقد كنت لي بالمرصاد.
انظر..وأنا أناجيك وأثرثر منذ ساعات بما تعرفه وما تجهله، هاج البحر وماج وتحولت زرقته الصافية إلى زرقة باهتة.. لاشك أنه مدرك لخبثك وشاهد على المعادلة غير المتوازنة في علاقتنا. والشمس ضاقت بكلامي فها هي ذي راغبة بالأفول، آيِلة للمغيب..علي العودة لشقتي..
انسكبت صحتي كالنّمير خلال هذا الشهر العصيب،لا آكل إلا لأبقى على قيد الحياة،هجرت كل تسلياتي كما هجرني النوم..أتحاشى العنصر البشري كي لا أضطر للشرح أمام كل استفسار عنك.. على أيٍّ قبلك لم أكن أشارك أحدا أسراري.. أهنؤك!!جابهت تمردي كما عزمتَ،وبظلك أذبتَ الجليد الذي كان يسكنني بل جعلتني لهوبا كالبنزين؛ألتهب أمام كل تصرف ولو كان بسيطا..
أتقلب في الفراش منذ ساعة،ألتمس نوما مريحا..أعضائي مصابة بالشلل..لا أشعر بها..أبحلق في السقف وأراني وقد أحاط بي الدّيجور رغم أشعة القمر الوضاء المتسللة إلى غرفتي.. أتحسر على ما فات وأجهل ما هو آت..علي حقا أن أستجمع نفسي وأحاول الموازنة بينك وبين دراستي فلامتحانات النهائية على الأبواب ولن أسمح لك بتضييع مستقبلي أكثر..
أتذكُر صديقتي الشامخة مها التي حكيت لك عنها؟مها التي خذلت عائلتها وأصدقاءها؟ كانت تحاول التلاعب بأحدهم لكن مع كامل الأسى انقلب السحر على الساحر.. كان خزيا لفتاة مثلها أن ترضخ له وأن تضيع شرفها ومستقبلها في سبيل لاهٍ ما إن تمكن منها وتأكد من ضياعها في مجتمع ذكوري،حتى رحل عنها بعد أن اعترف لها بغايته منذ البداية، وهي تحطيمها انتقاما من والدها،الذي كان السبب في انتحار أبيه قبل سنوات نتيجة طرده من العمل ظلما ودخوله دوامة اكتئاب.وانتهت مثله بوضع حد لحياتها.. تأثرتُ بالحادثة كثيرا، لا لأنها رفيقتي،بل لأني خفت أن تكون نهايتي مثلها.. سخرت مني عندما تساءلت عن ذلك، قلت لي : "من يدري ما سأفعله بك؟!! لأن بعد معرفتكِ بخطة صديق صديقتك المزعومة علي تغيير خطتي أنا.مممم يمكن أن....."قاطعتُك مؤكدةً جديتي..سألتك عن الحالة الجسدية والنفسية التي قد تضعني فيها.. حاولت طمأنتي بهدوء باستمرارنا معا..لكن وفي ظل أجوبتك المكَرَّرة وأسئلتي التي أعيدها ":ماذا لو حدث؟ أصدِقني القول وأقسم بحبك لي"،فقدت أعصابك زاعما أني أشكِّك في صدق مشاعرك تجاهي،وأضفت بأن لعنة الحب سرمدية وتصيب العظماء فقط،القادرين عليها وعلى تخطي عقبات الحياة.العشق تضحية، وإخلاص، وصبر، وتنازل.. أساسه الصدق، والعقلانية، والوعي..الضعفاء، والسُّذج، والكذّابون المخادعون، يحرم عليهم دخول عالم العشاق وصديقتك محتالة منذ البداية وما كان عليها تخطي عتبة بابه..لكنها نالت ما تستحقه.
أدركتُ متأخرة أنك مثلها لم تكن عظيما،لم تتنازل يوما عن مواقفك وحقوقك،كنت عنيدا أنانيا دائما مثلما كنتُ..أنا رضخت لك..وإذَن بناء على كلامك ومن منظور إيجابي علي ألاّ أحكم على تجربتي بالفشل فقد جعلتني عظيمة؛فمعك ضحيت وتنازلت.. معك شعرت بنبض قلبي وشعرت بحلاوة المشاعر.. أفَعَلَيَّ أن أتناسى فكرة انتقامي منك وأتقبل تغَيري ثم أُرمّمني أكثر كي أصير ناعمة؟أم أكافح لأعود لأصلي شرسة متسلطة متصلبة؟أو علي أن أنتقم منك أولا ثم أفكر في الأمر؟!
حفصة مقبول
رابط الجزء الأول
https://moudawanattasnim.blogspot.com/2018/06/2018-05-29-1_23.html
رابط الجزء الثاني
https://moudawanattasnim.blogspot.com/2018/06/18062018-2.html